كانَ يوماً مشؤوماً. يُصادف ذكرى النكبة ايضاً .. أذكرهُ جيداً كما أذكرُ وجه أبي وأُمي الشهيدين. اشتظتُ غضباً ليس للأسباب الأعتيادية كالذكرى والتهجير فقط .. كان هُناك شيئاً استثنائياً هذهِ المرّة وفي هذا اليوم ..كانت هناكَ مباراةٌ نهائي كأس العالم لكرة اليد بين فريق دولة السويد – التي أقيمُ فيها وتستضيفُ المباراة – وبين فريق الكيان الصهيوني. تم منع أي شخصٍ أصوله عربية أو فلسطينية من حضور المُباراة. حملتُ وقتها علم الاحتلال مُتنكراً بأنني من مشجعي فريقه واخترقتُ أولَ حاجز. خبأتُ مسبقاً العلم الفلسطيني تحت ملابسي مع عصا السارية .. وخبأتُ تحتَ جلدي ثورة. استعد الفريقان لبدءِ المُبارة .. تجهَّز صوت الأذاعة ليطلق النشيد “الوطني” لفريق الكيان الصهيوني .. وما كان غائباً عن الجميع أنني قد رتبتُ مع مسؤولة الإذاعة في الملعب – صديقتي من أحد الأحزاب اليسارية السويدية – واتفقت معها على استبدال نشيد الكيان المُزيف بالنشيد الوطني الفلسطيني وباتت المكبرات تُنادي وتُردد النشيد:
“بحق القسم تحت ظل العلم
بأرضي وشعبي ونار الألم
سأحيا فدائي وأمضي فدائي
وأقضي فدائي
إلى أن أعود
سأحيا فدائي وأمضي فدائي
وأقضي فدائي
إلى أن أعود
فدائي فدائي فدائي
***** يا أرضي يا أرض الجدود فدائي فدائي فدائي *****
يا شعبي يا شعب الخلـــود”. ..
وفي لحظة ذهول كاملة من الجميع .. نزلت الى منتصف الملعب .. هكذا .. مُقاطعاً كُل شيء .. ووقفت بين أفراد اللاعبين أرفع علم فلسطين إلى الأعلى .. وكل العيونِ تراقب .. حتى أخرجتني الشرطة من الملعب دون اعتقالي داخله خوفاً من الضجيج. حاصروني بهدوء في الشارع .. يقف عِدة مشجعون صهاينة أمام البوابة شتموني .. ورددتُ برفع علمي أكثر .. “عائدون إلى حيفا وإلى كروم الزيتون. أنتم دولة إرهاب واحتلال مُرخص دولياً، ومجمّل إعلامياً ليس إلا .. وهذا لا يجعل منكم بشراً أو من كيانكم الصهيوني دولة حقيقية في الواقع. وحتى اخر نبضٍ في عروقنّا سنُقاتل وسنعود”. ثُم حاصرتني سيارة الشرطة بشكلٍ تام واعتقلوني. – كانت التُهم الموجهة لي كالتالي: أولاً: تخريب لعبة تصفيات نهائيات كأس العالم لكرة اليد بين الفريق السويدي وفريق الكيان الصهيوني “حيث لم تُقام المُبارة يومها ودفعت السويد تعوضياً لدولة الأحتلال قيمته 60 مليون “كرون” اي 7 مليون دولار” ثانياً: تهديد الأمن والسلم الداخليين. ثالثاً: معاداة السامية “التهمة الجاهزة وشماعة متصهيني أوروبا”. في النهاية .. أفرجوا عني بعد خمسة عشرَ يوماً بكفالةٍ مادية، مع توقيفِ العمل بجنسيتي السويدية حتى إشعارٍ آخر .. لم يظهر حتى الآن. لكنهم نسوا على ما يبدو .. أنَّ جنسيتي الفلسطينية .. باقية .. باقية .. باقية ومُورثةٌ ومورثة ليس في الورق ولا في جواز السفر.. بل في الدمِ من جيلٍ لجيل.